الطبراني
40
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
يجري في ذهن المكلف لتوجيه الرّأي والايمان والمعتقدات والأحكام ؛ أو إلى ما يفيد مباشرة العمل بإنفاذه على جوارح المرء وبأهليّته الفردية أو الجماعية المجتمعية . لهذا لا يوجد في القرآن الكريم ما لا يعقل المكلف ألفاظه أو لا يفهم معانيه . فعقل الألفاظ وما يحتاجه هذا التعقّل الشرعي من مطلوب خبري على مستوى اللغة والأثر والحديث هو التّفسير ؛ وهو بيان معاني ألفاظ القرآن وفهم معانيه واستخراج أحكامه وحكمه ؛ باستمداد ذلك من علم اللغة بما تدلّ عليه الألفاظ منها إلى معانيها ؛ وبمعرفة علم النّحو والتصريف وعلم البيان الذي يلزم المرء الباحث بأساليب العرب في المخاطبة والتعلّم والإفهام ، وعلم القراءات وما تحمله من دلالات السّياق في التعبير عن المراد ، وما إلى ذلك مما يعرف بالعلوم الشرعية وما يخدمها من علوم الآلة والعربيّة . أمّا التّأويل ؛ فهو معرفة دلالة الخطاب على الواقع باعتباره نصّا مسموعا يخبر عن قصد مراد الشارع من المكلّف ، وبوصفه كلّا متماسكا ووحدة واحدة غير مجزّأة تفيد المستمع بإنشاء الفكر عن الواقع وتكوين معنى يعبر به عنه وتبعث فيه إلى طلب ما يلزمه العمل . ولم يكن عند سلف الأمة تفريق بين التفسير والتأويل في القصد المراد ، لأنّ كليهما يلزم الآخر ، ولم يكن عندهم تفريق بين الفكر والعمل من حيث أن الفكر للعمل وليس بينهما مفاصلة إلا الصّدق في المباشرة . وليس الحال كما فرّق المتأخرون . فالتأويل عند السلف هو إفادة المستمع أو من في حكمه بإنشاء الفكر في ذهنه وتقصّد العمل به ؛ فالتفسير بيان المعنى في الخطاب ، والتأويل بيان العمل وتوجيه دلالة الخطاب إليه ؛ وأحدهما يقتضي الآخر . لهذا كان التفسير هو بيان المعنى بحسب مقتضى اللغة ودلالة اللسان بمعهود العرب حين إدراكهم للخطاب ووعيهم به ، أي بما تدركه العرب وتفهمه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والتأويل ؛ هو بيان هذا المعنى على وجه يفيد العمل بمقتضى هذا المعهود من لسان العرب ومعهودهم وبمقتضى ما جاء من السّنّة المطهرة في بيانه . لهذا